محمد بن جرير الطبري

312

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

ذلك : وعلى الوارث في الرضاع مثل ما ذكره الله تعالى ذكره ذكر من قال ذلك : حدثني المثنى ، قال : ثنا سويد ، قال : أخبرنا ابن المبارك ، عن ابن جريج ، قال : قلت لعطاء : قوله تعالى ذكره : وَعَلَى الْوارِثِ مِثْلُ ذلِكَ الوارث في الرضاع قال : مثل ما ذكره الله تعالى ذكره قال أبو جعفر : وأولى الأَقوال بالصواب في تأويل قوله : وَعَلَى الْوارِثِ مِثْلُ ذلِكَ أن يكون المعنى بالوارث ما قاله قبيصة بن ذؤيب والضحاك بن مزاحم ومن ذكرنا قوله آنفا من أنه معني بالوارث في الرضاع المولود ، وفي قوله : مِثْلُ ذلِكَ أن يكون معنيا به مثل الذي كان على والده من رزق والدته وكسوتها بالمعروف إن كانت من أهل الحاجة ، وهي ذات زمانة وعاهة ، ومن لا احتراف فيها ولا زوج لها تستغني به ، وإن كانت من أهل الغني والصحة فمثل الذي كان على والده لها من أجر رضاعه وإنما قلنا هذا التأويل أولى بالصواب مما عداه من سائر التأويلات التي ذكرناها ، لأَنه غير جائز أن يقال في تأويل كتاب الله تعالى ذكره قول إلا بحجة واضحة على ما قد بينا في أول كتابنا هذا وإذ كان ذلك كذلك ، وكان قوله : وَعَلَى الْوارِثِ مِثْلُ ذلِكَ محتملا ظاهره : وعلى وارث الصبي المولود مثل الذي كان على المولود له ، ومحتملا وعلى وارث المولود له مثل الذي كان عليه في حياته من ترك ضرار الوالدة ومن نفقة المولود ، وغير ذلك من التأويلات على نحو ما قد قدمنا ذكره ، وكان الجميع من الحجة قد أجمعوا على أن من ورثة المولود من لا شيء عليه من نفقته وأجر رضاعه ، وصح بذلك من الدلالة على أن سائر ورثته غير آبائه وأمهاته وأجداده وجداته من قبل أبيه أو أمه في حكمه ، في أنهم لا يلزمهم له نفقة ولا أجر رضاع ، إذ كان مولى النعمة من ورثته ، وهو ممن لا يلزمه له نفقة ولا أجر رضاع فوجب بإجماعهم على ذلك أن حكم سائر ورثته غير من استثني حكمه وكان إذا بطل أن يكون معنى ذلك ما وصفنا من أنه معني به ورثة المولود ، فبطول القول الآخر وهو أنه معني به ورثة المولود له سوى المولود أحرى ، لأَن الذي هو أقرب بالمولود قرابة ممن هو أبعد منه إذا لم يصح وجوب نفقته وأجر رضاعه عليه ، فالذي هو أبعد منه قرابة أحرى أن لا يصح وجوب ذلك عليه وأما الذي قلنا من وجوب رزق الوالدة وكسوتها بالمعروف على ولدها إذا كانت الوالدة بالصفة التي وصفنا على مثل الذي كان يجب لها من ذلك على المولود له ، فما لا خلاف فيه من أهل العلم جميعا ، فصح ما قلنا في الآية من التأويل بالنقل المستفيض وراثة عمن لا يجوز خلافه ، وما عدا ذلك من التأويلات فمتنازع فيه ، وقد دللنا على فساده القول في تأويل قوله تعالى : فَإِنْ أَرادا فِصالًا عَنْ تَراضٍ مِنْهُما وَتَشاوُرٍ فَلا جُناحَ عَلَيْهِما يعني تعالى ذكره بقوله : فَإِنْ أَرادا إن أراد والد المولود ووالدته فصالا ، يعني فصال ولدهما من اللبن ويعني بالفصال : الفطام ، وهو مصدر من قول القائل : فاصلت فلانا أفاصله مفاصلة وفصالا : إذا فارقه من خلطة كانت بينهما ، فكذلك فصال الفطيم ، إنما هو منعه اللبن وقطعه شربه ، وفراقه ثدي أمه إلا الاغتذاء بالأَقوات التي يغتذي بها البالغ من الرجال وبما قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك : حدثني موسى ، قال : ثنا عمرو ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي قوله : فَإِنْ أَرادا فِصالًا يقول إن أرادا أن يفطماه قبل الحولين حدثني المثنى ، قال : ثنا عبد الله ، قال : ثنا معاوية ، عن علي ، عن ابن عباس : فَإِنْ أَرادا فِصالًا فإن أرادا أن يفطماه قبل الحولين وبعده حدثني المثنى ، قال : ثنا أبو زهير ، عن جويبر ، عن الضحاك : فَإِنْ أَرادا فِصالًا عَنْ تَراضٍ مِنْهُما قال : الفطام وأما قوله : عَنْ تَراضٍ مِنْهُما وَتَشاوُرٍ فإنه يعني بذلك : عن تراض من والدي المولود وتشاور منهما مدة الرضاع ثم اختلف أهل التأويل في الوقت الذي أسقط الله الجناح عنهما إن فطماه عن تراض منهما